الأحد، 6 مايو 2018

وعد بلفور

وَعْدُبَلفُور أو إعلان بَلفُور بيانٌ علنيّ أصدرته الحكومة البريطانيّة خلال الحرب العالميّة الأولى لإعلان دعم تأسيس "وطن قوميّ للشعب اليهوديّ" في فلسطين، التي كانت منطقة عُثمَانِيَّةً ذات أقليّة يهوديّة (حوالي 3-5% من إجماليّ السكان). و نصها (مترجماً إلى العربيّة):
«تنظر حكومة صاحبة الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ، و ستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.»
ضُمِّنَ هذا الوعد ذمن رسالة بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 مُوَجَّهَةٌ من وزير خارجيّة المملكة المتحدة آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد أحد أبرز أوجه المجتمع اليهوديّ البريطانيّ، و ذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيونيّ لبريطانيا العُظمى و إيرلندا. نُشر نص الوعد (أو الإعلان) في الصحافة في 9 نوفمبر/تشرين الثانيّ عام 1917.
و بعد إعلان المملكة المتحدة الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914، بدأ مجلس وزاء الحرب البريطانيّ حالاً في النظر في مستقبل فلسطين. و بحلول آواخر 1917، قبيل إعلان بلفور، و بتوصول الحرب العالميّة الأولى إلى طريق مسدود، إذ لم تشارك حليفتا بريطانيا بالحرب بشكل كامل؛ فالولايات المتحدة لم تعاني من ضرر كبير بسبب الحرب، و كان الروس في خضمّ ثورة 1917. كُسرت حالة الجمود جنوب فلسطين بقيام معركة بئر السبع في 31 أكتوبر/تشرين الأول عام 1917.
يمكن إرجاع أول مفاوضات على مستوً عالٍ بين البريطانيين و الصهيونيِّين إلى مؤتمرٍ أُجري في 7 فبراير من عام 1917، تضمَّن السير مارك سايكس و القيادة الصهيونيّة. قادت النقاشات التي تلت هذا المؤتمر إلى طلب بلفور في 19 يونيو/حزيران من روتشيلد و حاييم وايزمان أن لتقديم مشروع إعلان عام. نُوقشت مشاريع و اقتراحات أُخى أبعد من قِبل مجلس وزراء بريطانيا خلال سبتمبر/أيلول و أكتوبر/تشرين الأول مع مُدخلات صهيونيّة و مُعادية للصهيونيّة، و لكن دون أي تمثيل للسكان المحليين لفلسطين. أُذن بالإفراج عن الإعلان النهائيّ بحلول 31 أكتوبر/تشرين الأول، و كان لمناقشات مجلس الوزراء هذه فوائد بإطلاق بروباجاندا بين أوساط اليهود حول العالم لنيّة الحلفاء في الحرب.
و مثَّلت الكلماء الأولى في نص الوعد، أول تعبير عام عن دعم قوّة سياسيّة كبيرة للصهيونيّة. لم يكن لمصطلح "وطن قوميّ" (وَرد في نص الإعلان باللغة الإنجليزيّة national home) أي سابقة في القانون الدوليّ، و قد أُورد المصطلح غامضاً عمداً دون الإشارة إلى إقامة دولة يهوديّة في فلسطين. كما لم يتم تحديد حدود فلسطين المعنيّة، و قد أكَّدت الحكومة البريطانيّة أن عبارة "في فلسطين" تشير إلى أن الوطني القوميّ اليهوديّ المُشار إليه لم يُقصد أن يُغطي كلَّ فلسطين. أُضيف الجزء الثاني من الوعد لإرضاء المعارضين لهذه السياسة، ممن ادعَوا أن هذا الإعلان سيضر بوضع السكان المحليِّين لفلسطين و سيُشجِّعُ معاداة الساميّة المُوجَّهة ضد اليهود في جميع أنحاء العالم. دعا الإعلان إلى حماية الحقوق المدنيّة و الدينيّة للعرب الفلسطينيِّين، و الذين كانوا يشكلون الأغلبية العُظمى من السكان المحليِّين لفلسطين آنذاك. اعترفت الحكومة البريطانيّة عام 1939 أنه كان من المفترض أخذ آراء السكان المحليين بعين الاعتبار، و اعترفت عام 2017 بأنه كان ينبغي أن يدعو الإعلان لحماية الحقوق السياسيّة للعرب الفلسطينيِّين.
كان لهذا الوعد آثار طويلة الأمد كثيرة. فقد زاد هذا الوعد من الدعم الشعبيّ للصهيونيّة في أوساط المجتمعات اليهوديّة في أنحاء العالم، و قاد إلى قيام فلسطين الانتدابيّة، و هو المصطلح الذي يشير حالياً إلى إسرائيل و الأراضي الفلسطينيّة. و كنتيجة، فقد تسبَّب هذا الوعد بقيام الصراع العربيّ الإسرئيليّ، الذي يُشار إليه غالباً بأكثر صراعات العالم تعقيداً. و لا يزال الجدال فيما يخصّ الوعد قائماً في كثير من النواحي، مثلاً الجدال فيما إذا كان الوعد يتعارض مع الوعود السابقة التي قطعها البريطانيُّون لشريف مكة خلال مراسلات حسين-مكماهون.
قام الدعم السياسي البريطانيّ للوجود اليهوديّ المتزايد في منطقة فلسطين على حسابات جيوسياسيّة.[1][i] بدأ هذا الدعم في أربعينيات القرن التاسع عشر[3] و قاده اللورد بالمرستون بعد احتلال الحاكم العثماني الانفصاليّ لمصر محمد علي، احتلاله لسوريا و فلسطين.[4][5] بدأ النفوذ الفرنسيّ ينمو في فلسطين و الشرق الأوسط عموماً كحامية للمجتمعات الكاثوليكية ، كما بدأ النفوذ الروسيّ أيضاً بالنمو باعتبار روسيا حامية للأثوذوكس الشرقيين في ذات المناطق. ترك هذا بريطانيا دون أي نفوذ في تلك المناطق،[4] لذا احتاجت بريطانيا أن تجد أو تخلق "من تحميه" في هذه المناطق.[6] دعمت المشاعر المسيحيّة المتعاطفة مع "إعادة اليهود" إلى فلسطين بين أوساط النخبة السياسيّة البريطانيّة منتصف القرن التاسع عشر،هذه الاعتبارات السياسيّة البريطانيّة، و كان من أبرز الشخصيّات الداعمة لهذا الأمر اللورد شافتسبري.[ii] و قد شجَّعت وزارة الخارجيّة البريطانيّة هجرة اليهود بنشاط إلى فلسطين، و مثالها نصائح تشارلز هنري تشرشل في 1841-1842 لموسى مونتيفيوري زعيم الجماعة اليهوديّة البريطانيّة.[8][a] لم تنجح هذه الجهود الباكرة في زيادة الهجرة اليهوديّة؛[8][iii] كان 24 ألف يهوديّ فقط يعيشون في فلسطين عشية ظهور الصهيونيّة داخل المجتماعات اليهوديّة في العالم في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر.[10] و مع التراجع الجيوسياسيّ الناجم عن اندلاع الحرب العالمية الأولى، أدَّت الحسابات القديمة، التي أُهملت لبعض الوقت، أدَّت إلى تجديد التقييمات الاستراتيجيّة و قيام مفاوضات سياسيّة على منطقتي الشرق الأوسط و الشرق الأقصى.[5]

بدايات الصهيونية

نشأت الصهيونيّة آواخر القرن التاسع عشر كردَّة فعلٍ على الحركات القوميّة المعادية للسامية و الإقصائيّة في أوروبا.[11][iv][v] ساعدت أيضاً القوميّة الرومانسيّة في شرق و وسط أوروبا على إطلاق الهاسكالا أو حركة "التنوير اليهوديّ"، مما خلق انقساماً في المجتمع اليهوديّ بين أولئك الذي رأوا اليهوديّة كدين لهم و أولئك الذين رأوها كعرقيتهم أو أمتهم.[11][12] و قد شجَّعت برامج الإبادة اليهودية في روسيا القيصريّة تنامي الهويّة الأخيرة، مما أدى إلى تشكيل منظمة أحباء صهيون، و نشر ليون بينسكر لـكتابه "الانعتاق الذاتي" و أول موجة رئيسية للهجرة اليهوديّة إلى فلسطين، و التي سُميت بـ"عليا الأولى".[14][15][12]عام 1861، نشر تيودور هرتزل، و هو صحفيّ يهوديّ يعيش في الإمبراطوريّة النمساويّة المجريّة، نشر النص الأساسيّ للصهيونيّة السياسيّة بكتاب تحت عنوان الدولة اليهوديّة (بالألمانيّة: Der Judenstaat)، و قد أكَّد في هذا الكتاب على أن الحل الوحيد للمسألة اليهوديّة في أوروبا، بما فيها تنامي معاداة الساميّة هو تأسيس دولة لليهود.[16][17] و بعد عام، أسَّس هرتزل المنظمة الصهيونيّة، التي دعت في أولى مؤتمراتها إلى تأسيس "وطن للشعب اليهوديّ في فلسطين تحت حماية القانون العام". تضمَّنت التدابير المقترة لتحقيق هذا الهدف، تعزيز الاستيطان اليهوديّ في فلسطين، و تنظيم اليهود في الشتات، و تعزيز الشعور و الوعي اليهوديّ، و الخطوات التحضيريّة للحصول على المنح الحكوميّة اللازمة.[17] توفي هرتزل عام 1904 دون أن يحصل على أي مكانة سياسيّة مطلوبة لتنفيذ أجندته.[10]
انتقل القائد الصهيونيّ حاييم وايزمان، وهو أحد رؤساء المنظمة الصهيونيّة العالميّة، انتقل من سويسرا إلى المملكة المتحدة عام 1904 و التقى بآرثر بلفور، الذي أطلق حملته الانتخابيّة 1905-1906 بعد استقالته من منصب الوزير الأول[18] في وقت سابق من العام ذاته، حيث التقيا في جلسة نظَّمها تشارلز دريفوس ممثل بلفور في الدوائر اليهوديّة.[vi] و في وقت مُبكر من هذا العام، استطاع بلفور الدفع بقانون الأجانب إلى البرلمان، بالإضافة إلى خطابات عاطفيّة تتحدَّث عن ضرورة تقييد موجة هجرة اليهود الفارين من الإمبراطوريّة الروسيّة إلى بريطانيا.[20][21] و قد تساءل بلفور خلال هذا اللقاء عن اعتراض وايزمان على خطة أوغندا لعام 1903 التي دعمها هرتزل لتوفير جزء من شرق أفريقيا البريطاني للشعب اليهوديّ كوطن. كان جوزيف تشامبرلاين سكرتير الدولة للمستعمرات في حكومة بلفور قد اقترح هذا المخطط على هرتزل، و ذلك بعد رحلته إلى شرق أفريقيا في وقت سابق من هذا العام،[vii] تم التصويت على هذا المخطط بعد وفاة هرتزل في المؤتمر الصهيونيّ السابع عام 1905[viii] بعد عامين من النقاش الدائر في المنظمة الصهيونيّة.[24] ردَّ وايزمان أنه يعتقد بأن الإنجليزيّة تنتمي للندن كما ينتمي اليهود إلى القدس.[b] و قد التقى وايزمان و البارون إدموند روتشيلد، و هو عضو في الفرع الفرنسيّ لعائلة روتشيلد و داعم رئيسي للحركة الصهيونيّة، التقيا للمرة الأولى في يناير/كانون الثاني 1914،[26] ليتحدثا عن مشروع بناء جامعة في القدس.[26] لم يكن البارون روتشيلد جزءاً من المنظمة الصهيونيّة العالميّة، و لكنه أسَّس المستعمرات الزراعيّة اليهوديّة للعليا الأولى و قام بنقلهم إلى الرابطة الاستعمارية اليهوديّة عام 1899.[27] آتى هذا الاتصال أُكله في وقت لاحق من هذا العام، عندما طلب ابن البارون و هو جايمس دي روتشيلد، طلب لقاء وايزمان في 25 نوفمبر 1914، لكي يتطوَّع في التأثير على بعض من يعتبرون مقبولين في الحكومة البريطانية لأجندتهم لإقامة "دولة يهوديّة" في فلسطين.[c][29] و من خلال دوروثي زوجة جايمس، التقى وايزمان بروتزيسكا روتشيلد التي قدَّمته إلى الفرع الإنجليزيّ للعائلة، و تحديداً زوجها تشارلز و أخوه الأكبر منه والتر و هو عالم حيوان و عضو مؤسس في البرلمان.[30] كان لوالدهما ناثان روتشيلد البارون الأول في العائلة و رئيس الفرع الإنجليزيّ من العائلة، كان له موقف متريّث من الصهيونيّة، و لكنه مات في مارس/آذار من عام 1915 و ورث ابنه والتر اللقب عنه.[30][31]
و قبيل إعلان وعد بلفور، كان حوالي 8.000 من أصل 300.000 يهودي بريطاني ينتمون إلى المنظمة الصهيونيّة.[32][33] و على المستوى العالمي، بحلول 1913، و هو آخر تاريخ معروف قبيل الإعلان، كان نسبة من ينتمون إلى الصهيونية تُعادل 1% من اليهود.
بحلول عام 1916، كانت فلسطين قد أمضت أربعة قرون تحت الحكم العثمانيّ.[36] و لمعظم هذه الفترة، مثَّل اليهود أقليّة صغيرة، تبلغ حوالي 3% من مجموع السكّان، بينما مثَّل المسلمون أكبر شريحة اجتماعيّة من السكان، يأتي بعدهم المسيحيّون في المرتبة الثانية.[37]
بدأ العثمانيون بالتضييق على الهجرة اليهوديّة في آواخر 1882، كردة فعل على موجة "عليا الأولى" التي بدأت في وقت باكر من العام ذاته.[38] و على الرغم من أن هذه الموجة من الهجرة قد خلقت توتُّراً مع السكان المحليين، خاصة في أوساط التجّار و الطبقات البارزة في المجتمع، فقد أعطى الباب العالي (الحكومة العثمانيّة المركزيّة) اليهود الحقوق ذاتها التي يمتلكها العرب في شراء الأراضي في فلسطين، و بحلول 1914 ارتفعت نسبة السكّان اليهود إلى 7% تقريباً.[39] في الوقت ذاته و مع تزايد عدم ثقة العرب بتركيا الفتاة- القوميّون الأتراك الذين تولَّوا حكم الإمبراطوريّة العثمانية في 1908- و مع بدء موجة هجرة عليا الثانية، تصاعدت القوميّة العربيّة و معاداة الصهيونيّة في فلسطين.[39][40] لا يعلم المؤرخون ما إذا كانت هذه الحشود و تعزُّز هذه الأفكار ستؤدي إلى الصراع العربي الإسرائيليّ ذاته فيما لو لم يعد بلفور اليهود بإقامة وطن في فلسطين.[ix]

الحرب العالمية الأولى

1914-1916: مناقشات الصهيونيّة-الحكوميّة البريطانيّة الأولى

في يوليو 1914 اندلعت الحرب في أوروبا بين الوفاق الثلاثي (بريطانيا و فرنسا و الإمبراطوريّة الروسيّة) و دول المركز (الإمبراطوريّة الألمانيّة و الإمبرطوريّة النمساويّة المجريّة، انضمت إليهما الإمبراطوريّة العثمانيّة في آواخر هذا العام).[42]
ناقشت الحكومة البريطانيّة لأول مرة الصهيونيّة في لقاء وقع في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1914، بعد أربع أيام من إعلان بريطانيا للحرب على الإمبراطوريّة العثمانيّة، التي كانت تدير أرض فلسطين تحت اسم متصرفيّة القدس.[43] أشار دايفد لويد جورج مستشار الخزانة آنذاك، خلال اللقاء إلى "مصير فلسطين النهائيّ".[44] و كان شركة المستشار "لويد جورج و شركاؤوه" قد انخرطت قبل عقد من الزمن بالاتحاد الصهيونيّ لبريطانيا العُظمى و إيرلندا للعمل على مخطط أوغندا،[45] و سيصبح هذا المستشار فيما بعد رئيساً للوزراء في وقت إعلان وعد بلفور، و يُعتبر المسؤول عن الإعلان.[و قد انتعشت جهود وايزمان السياسيّة،[d] و في 10 ديسمبر/كانون الأول 1914 التقى مع هربرت صموئيل، عضو مجلس الوزراء البريطانيّ و عالم يهوديّ درس الصهيونيّة؛[48] و قد اعتقد صموئيل أن مطالب وايزمان متواضعة جداً.[e] و بعد يومين، التقى وايزمان بلفور مجدداً، لأول مرة منذ لقائهم الأول عام 1905، كان بلفور قد خرج من الحكومة منذ هزيمته الانتخابيّة عام 1906، و لكنه ظل عضواً بارزاً في حزب المحافظين باعتبارهم المعارضة الرسميّة.[f]
بعد شهر، نشر صموئيل مذكرة بعنوان (بالإنجليزية: The Future of Palestine) (العربيّة: مستقبل فلسطين) لزملائه في مجلس الوزراء. و قد جاء في المذكرة: "إنني أؤكِّدُ أن حل مشكلة فلسطين الذي سيلقى أكبر ترحيب بين قادة الحركة الصهيونيّة و داعميهم هو ضم البلاد إلى الإمبراطوريّة البريطانيّة".[51] ناقش صموئيل نسخةً من مذكرته مع ناثان روتشيلد في فبراير 1915، قبل شهر من وفاة الأخير.[31] كانت هذه أول مرة يُقترح فيها دعم اليهود كإجراء حربيّ في سجلّ رسميّ.[52]
تبع هذا العديد من المناقشات، بما في ذلك اللقاءات الأوليّة عامي 1915 و 1916 بين لويد جورج الذي عُيِّن وزيراً للخارجيّة في مايو/أيَّار 1915،[53] و وايزمان الذي عُيِّن مستشاراً علميّاً للوزارة في سبتمبر/أيلول 1915.[54][53] وصف جورج لويد في مذكّراته بعد سبع عشر عاماً هذه اللقاءات بأنها "منبع و أصل" الإعلان، إلا أن عدداً من المؤرخين رفضوا هذا الإدّعاء.[g]

1915-1916: التعهدات البريطانية السابقة لوعد بلفور بخصوص فلسطين

 

في آواخر عام 1915، تبادل المندوب السامي البريطانيّ في مصر هينري مكماهون عشر رسائل مع حسين بن عليّ شريف مكة، وعد مكماهون حسين خلال هذه الرسائل بالاعتراف بالاستقلال العربيّ "ضمن الحدود المقترحة من قبل شريف مكة" في مقابل إطلاق حسين ثورةً ضد الدولة العثمانيّة. استُثني من هذا التعهُّد "أجزاء سوريا" الممتدة غرب "مناطق دمشق و حمص و حماة و حلب".[62][h] و قد بقي هذا الاستثناء للساحل السوريّ محل نزاع حامٍ لعدة عقود تلت هذه المراسلات[64] باعتبار أن فلسطين تقع جنوب غرب دمشق و بسبب عدم ذكرها بشكل واضح.[62]
فلسطين في خريطة اتفاقية سايكس بيكو، تظهر تحت عبارة international adminstration التي تعني "الإدارة الدوليّة" باللغة العربيّة، بالإضافة إلى وجود جيب مكون من خليج حيفا و مدينة حيفا و عكا تحت السيطرة البريطانيّة، بالإضافة إلى استبعاد المنطقة الواقعة جنوب الخليل[i]
أطلق شريف مكة حسين بن عليّ الثورة العربيّة في الخامس من يونيو/حزيران عام 1916،[67] على أساس اتفاق مقايضة خلال المراسلات التي جرت بينهما.[68] و على الرغم مما سبق، فقد أبرمت حكومات المملكة المتحدة و فرنسا و روسيا خلال أقل من ثلاثة أسابيع اتفاقيَّةً سريّة دُعيت باتفاقيّة سايكس بيكو، وصفها بلفور فيما بعد بأنها "طريقة جديدة تماماً" لتقسيم المنطقة بعد اتفاقيّة 1915 التي "بدت منسيَّةً".[j]
فاوض خلال هذه الاتفاقيّة الأنجلو-فرنسيّة آواخر عام 1915 و أوائل 1916 السير مارك سايكس عن بريطانيا و فرانسوا جورج بيكو عن فرنسا، مع وضع ترتيبات أوليّة في مذكرة مشتركة في 5 يناير/كانون الثاني عام 1916.[70][71] كان سايكس نائباً محافظاً بريطانياً ترقَّى في المناصب حتى وصل إلى موقع ذو تأثير هام في سياسة بريطانيا فيما يتعلّق بالشرق الأوسط، بدءاً من مقعده في لجنة دي بونسن عام 1915 و مبادرته لإنشاء المكتب العربيّ.[72] بينما كان بيكو ديبلوماسيَّاً و قنصلاً عاماً سابقاً في بيروت.[72] حددت هذه الاتفاقيّة مجالات النفوذ و السيطرة غرب آسيا في حال نجاح التحالف الثلاثيّ في هزيمة الدولة العثمانيّة خلال الحرب العالمية الأولى،[73][74] حيث قاموا بتقسيم الأراضي العربيّة إلى مناطق إدارة فرنسيّة و بريطانيّة. في فلسطين، تم الاتفاق على إقامة إدارة دوليّة،[73][74] مع التأكيد على تشكيل الإدارة بعد التشاور مع حسين و روسيا،[73] و قد أشارت الاتفاقيّة إلى مصالح المسلمين و المسيحيِّين و أن "لأعضاء المجتمع اليهوديّ في جميع أنحاء العالم اهتمام ضميريّ و عاطفيّ بمستقبل البلاد."[71][75][k] و حتى قبيل هذه المرحلة لم تجرِ أي مُفاوضات نشطة مع الصهاينة، و لكن سايكس كان مدركاً للصهيونيّة و كان على اتصال مع موسى جاستر-و هو رئيس الاتحاد الصهيونيّ الإنجليزيّ السابق[77]- و من الممكن أن يكون قد اطَّلع على مذكرة صموئيل.[75][78] و برأي سايكس فإن هذا الاتفاق الذي حمل اسمه قد عفا عليه الزمان حتى قبل أن يُوقَّع في مارس/آذار 1916، فقد كتب سايكس في رسالة خاصة: "برأيي الصهاينة الآن هم مفتاح الوضع".[79] يُنظر إلى هذه المبادرات في أيام الحرب، بما في ذلك وعد بلفور، من قبل المؤرخين معاً بسبب إمكانيّة عدم توافق هذه المبادرات فيما بينها (سواء كان عدم التوافق حقيقياً أم مُتخيَّلاً) و لاسيّما فيما يتعلَّق بحسم قضيّة فلسطين.[80] يقول البروفيسور ألبرت حوراني مؤسس مركز الشرق الأوسط في كلية القديس أنطوني التابعة لجامعة أوكسفورد: "الجدال حول تفسير هذه الاتفاقيّات أمر من المستحيل أن ينتهي، لأنه كان من المقصود أن تحمل أكثر من تأويل."[81]

1916-1917: التغيرات في الحكومة البريطانية

فيما يتعلَّق بالسياسة البريطانيّة، جاء إعلان بلفور نتيجة وصول لويد جورج و حكومته التي حلّت محل حكومة هربرت أسكويث في ديسمبر 1916. و على الرغم من كون كلا رئيسي الوزراء ليبراليَّين (من الحزب الليبراليّ) و كون حكومتيهما حكومتين ائتلافيَّتين في زمن حرب فإن لويد جورج و بلفور الذي عُيِّن وزيراً للخارجيّة فضَّلا تقسيم الإمبراطوريّة العثمانيّة بعد الحرب باعتباره هدفاً رئيسياً لبريطانيا من الحرب، بينما فضَّل أسكويث و وزير خارجيّته إدوارد جراي إعادة تشكيلها.[82][83]
و بعد يومين من تسلّم منصبه أخبر لويد جورج الجنرال روبرتسون رئيس هيئة الأركان العامة الإمبراطوريّة أنه يريد انتصاراً كبيراً، و يُفضَّل أن يستولي على مدينة القدس بغرض إثارة إعجاب الرأي العام البريطانيّ،[84] و استشار لويد جورج حالاً حكومة الحرب حول "حملة أُخرى على فلسطين بعد تأمين العريش."[85] و قد أدَّت ضغوط لويد جورج على الرغم من تحفُّظات روبرتسون، أدَّت إلى إعادة السيطرة على سيناء و ضمها إلى مناطق سيطرتها في مصر، و بسيطرة البريطانيين على العريش في ديسمبر/كانون الأول 1916 و رفح في يناير/كانون الثاني 1917وصلت القوات البريطانيّة إلى الحدود الجنوبيّة للدولة العثمانيّة.[85] و من ثُمَّ فشلت محاولتان للسيطرة على غزَّة بين 26 مارس/آذار و 19 أبريل/نيسان، حلَّ الركود لمدة ستة أشهر جنوب فلسطين؛[86] و لم تحقق حملة فلسطين و سيناء أي تقدّم في فلسطين حتى 31 أكتوبر 1917.[87]

1917: المفاوضات الرسمية البريطانية-الصهيونية

بعد التغيُّر الحكومي البريطاني، كُلِّفَ مارك سايكس من قبل حكومة الحرب بمسؤولية شؤون الشرق الأوسط. في يناير/كانون الثاني من عام 1917، و على الرغم من أن مارك سايكس كان قد أسَّس علاقةً مع موسى جاستر سابقاً، إلا أنه بدأ بالبحث عن قادة صهاينة آخرين للقائهم؛ و بحلول نهاية الشهر كان سايكس قد تعرَّف على وايزمان و زميله ناحوم سوكولوف الصحفيّ و المدير التنفيذي للمنظمة الصهيونيّة العالميّة بعد أن انتقل إلى بريطانيا بداية الحرب.[xi]
في 7 فبراير/شباط من عام 1917 دخل سايكس مُدعياً صفته الشخصيّة في مناقشات موضوعيّة مع القيادة الصهيونيّة.[l] نُوقشت المراسلات البريطانيّة السابقة مع "العرب" خلال هذا الاجتماع. و قد سجّل سوكولوف ملاحظات عن وصف مارك سايكس بأن "العرب قد اعتبروا أنه ينبغي أن تكون اللغة هي المقياس [الذي تتحدد بموجبه أحقيّة السيطرة على فلسطين] و [بهذا المقياس] طالبوا بكل سوريا و فلسطين. لايزال من الممكن إدارة العرب، خاصةً إذا كانوا قد تلقَّوا الدعم اليهوديّ في قضايا أخرى."[89][90][m] و حتى هذه المرحلة لم يكن الصهاينة علم باتفاقيّة سايكس بيكو، على الرغم من شكوكهم في الأمر.[89] كانت أحد أهداف سايكس حشد الصهيونيّة لقضية سيادة البريطانيين على فلسطين، ليكون لديهم حجج تقدمها بريطانيا لفرنسا في هذا الأمر.[92]

أواخر 1917: مستجدات الحرب العالمية الأولى

خلال هذه الفترة، أدَّت مناقشات حكومة الحرب البريطانيّة إلى إعلان الوعد، حيث كانت الحرب قد وصلت إلى حالةٍ من الجمود. فعلى الجبهة الغربيّة تحوَّلت الحرب لصالح قوى المحور ربيع 1918،[93] قبل حسم الأمور لصالح الحلفاء في يوليو 1918 و ما تلاه.[93] و على الرغم من إعلان الولايات المتحدة الأمريكيّة الحرب على ألمانيا في ربيع عام 1917، لم تتكبد الولايات المتحدة الأمريكيّة أي ضحايا حتى 2 نوفمبر 1917،[94] حيث كان الرئيس الأمريكيّ وودرو ويلسون لايزال يأمل في تجنُّب إرسال قوات كبيرة إلى الحرب.[95] و من المعروف أن القوَّات الروسيّة عانت من تشتُّتٍ بسبب الثورة الروسيّة و الدعم المتزايد للبلاشفة، و رغم هذا بقيت حكومة ألكسندر كيرينسكي المؤقتة خلال الحرب. انسحبت روسيا فيما بعد من الحرب بعد المرحلة الأخيرة من الثورة في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1917.[96]

الموافقة على إصدار الوعد

أبريل إلى يونيو: نقاشات الحلفاء

التقى بلفور وايزمان في وزارة الخارجيّة يوم 22 مارس/آذار 1917، و بعد يومين وصف وايزمان اللقاء بأنه "أول محادثة عمل حقيقيّة لي [أي وايزمان] معه [أي بلفور]".[97] شرح وايزمان خلال اللقاء أن الصهاينة يُفضِّلُون فرض الحماية البريطانيّة على فلسطين بدلاً من الترتيبات الإداريّة الأمريكيّة أو الفرنسيّة أو الدوليّة؛ و قد وافق بلفور، و لكنَّه حذّر من "وجود صعوبات مع فرنسا و إيطاليا".[97] تحدَّد الوضع الفرنسيّ فيما يتعلّق بفلسطين و منطقة سوريا خلال الفترة التي سبقت إعلان وعد بلفور من خلال اتفاقيّة سايكس بيكو، و تعقَّد الموقف بدءاً من 23 نوفمبر من خلال معرفة فرنسا بوجود مناقشات بريطانيّة مع شريف مكّة.[98] قبيل عام 1917، قاد البريطانيُّون القتال على الحدود الجنوبيّة للدولة العثمانيّة لوحدهم نظراً لوجودهم في مستعمرة مصر المُجاورة لهذه المنطقة فيما كان الفرنسيّون مشغولين في القتال على الجبهة الغربيّة في أراضي فرنسا.[99][100] كما لم تشمل مُشاركة إيطاليا إلى جانب بريطانيا و فرنسا في الحرب، و التي بدأت بعد معاهدة لندن في أبريل/نيسان 1915، لم تشمل هذه المشاركة أي انخراط في القتال في منطقة الشرق الأوسط حتى أبريل/نيسان 1917 وفق اتفاقية سانت جان دي مورين، ففي هذا المؤتمر، أثار لويد جورج قضية فرض الحماية البريطانيّة على فلسطين و قد تلقَّف [الفرنسيّون و الإيطاليّون الفكرة] ببرودٍ شديد".[101][102][n] و في مايو/أيَّار و يونيو/حزيران من عام 1917 أرسل الفرنسيّون و الإيطاليّون مفارز لدعم البريطانيّين أثناء قيامهم بالتحضير لهجوم جديد على فلسطين.[99][100] في أوائل أبريل/نيسان عُيِّنَ سايكس و بيكو كمفاوِضَين رئيسيَّين مرَّةً أُخرى عن بريطانيا و فرنسا على الترتيب، هذه المرة في مهمة لمدة شهر في الشرق الأوسط لإجراء مناقشات مع شريف مكة و القادة العرب الآخرين.[103][o] و في 3 أبريل 1917، التقى سايكس بلويد جورج و كورزون و هانكي لتلقّي إرشاداته في هذا الصدد، و كانت إبقاء الفرنسيِّين جانباً في ظل "عدم المساس بالحركة الصهيونيّة و إمكانيّة تطويرها تحت الإشراف البريطانيّ، [عدم] الدخول في أتي تعهّدات للعرب، و لاسيّما فيما يتعلَّق بفلسطين."[105] و قبل السفر إلى اشرق الأوسط، قام بيكو عبر سايكس بدعوة ناحوم سوكولوف إلى باريس لتوعية الحكومة الفرنسيّة فيما يتعلّق بالحركة الصهيونيّة.[106] و قد قام سايكس بتهيئة الطريق من خلال مراسلات مع بيكو،[107] و وصل سايكس بعد عدة أيام من وصول سوكولوف، و في غضون هذه الأيام، التقى سوكولوف ببيكو و مسؤولين فرنسيِّين آخرين، و أقنع وزارة الخارجيّة الفرنسيّة بقبول دراسة بيان أهداف الصهيونيّة "فيما يتعلَّق بتسهيلات الاستعمار و الاستقلال الذاتيّ الجماعيّ و حقوق اللغة و تأسيس شركة يهوديّة مُرخَّصَة".[108] توجَّه فيما بعد سايكس إلى إيطاليا مباشرةً و عقد اجتماعات مع السفير البريطانيّ و ممثل الفاتيكان البريطانيّ لتمهيد الطريق أمام سوكولوف هناك.[109]
حظي سوكولوف بفرصة للقاء البابا بندكتوس الخامس عشر في 6 مايو/أيَّار 1917.[110] و قد تضمَّنت ملاحظات سوكولوف عن اللقاء-و هو اللقاء الوحيد المعروف المحفوظ عند المؤرخين- تعبير البابا لتعاطفه و دعمه للمشروع الصهيونيّ.[111][xii] في 21 مايو/أيار 1917، قدَّم أنجيلو سيريني رئيس لجنة الجاليات اليهوديّة،[p] سوكولوف إلى سيدني سونينو وزير الشؤون الخارجيّة الإيطاليّ. كما استقبله باولو بوسيلي رئيس الوزراء الإيطاليّ. نسَّق سونينو للسكرتير العام للوزارة كي يرسل رسالة مفادها أنه على الرغم من أنه لم يتمكّن من التعبير عن نفسه فيما يتعلّق بمزايا هذا البرنامج الذي يهمّ جميع الحلفاء، فإنه "بشكل عام" فإنه لم يكن مُعارضاً للادعاءات المشروعة لليهود.[117] و في رحلة العودة، التقى سوكولوف القادة الفرنسيِّين مرَّة أُخرى و حصل على رسالة مؤرخة في 4 يونيو/حزيران 1917، تُعطي تأكيدات على تعاطف تجاه القضية الصهيونيّة من قبل جون كامبون رئيس القسم السياسيّ في وزارة الخارجيّة الفرنسيّة.[118] لم تُنشر هذه الرسالة، و لكنها أُودِعَت في وزارة الخارجيّة البريطانيّة.[xiii] بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكيّة الحرب في 6 أبريل/نيسان، قاد وزير الخارجيّة البريطانيّة لـ"بعثة بلفور" إلى واشنطن و نيويورك حيث أمضى شهراً بين منتصف أبريل/نيسان و منتصف مايو/حزيران. و خلال هذه الرحلة قضى وقتاً طويلاً في مناقشة الصهيونيّة مع لويس برانديز و صهيونيّ بارز و حليف مُقرَّب من ويلسون الذي عيَّن عضواً في المحكمة العليا قبل عام.[q]

يونيو إلى يوليو: قرار تحضير إعلان الوعد

نسخة عن مسودة مقترحة من اللورد روتشيلد الأولى للوعد، مؤرَّخة بتاريخ 18 يوليو/تموز 1917.
بحلول يوم 13 يونيو/حزيران 1917، اعترف رونالد جراهام رئيس قسم شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجيّة بأن السياسيِّين الثلاثة الأكثر بروزاً و هم رئيس الوزراء و وزير الخارجيّة و وكيل وزارة الدولة للشؤون الخارجيّة البرلمانيّ اللورد روبرت سيسيل كانوا جميعاً مؤيدين لدعم بريطانيا للحركة الصهيونيّة؛[r] و في اليوم نفسه، كتب وايزمان لجراهام للدفاع عن الإعلان على الملأ.[s][122]
بعد ستة أيام، في لقاء عُقد في 19 يونيو، طلب بلفور من اللورد روتشيلد و وايزمان تقديم صيغة للإعلان.[123] و خلال الأسابيع اللاحقة، أعدَّت لجنة المفاوضات الصهيونيّة مسوَّدة تحتوي على 143 كلمة، و لكنها اعتبرها سايكس و جراهام و روتشيلد شديدة التحديد في بعض المجالات الحسَّاسة.[124] و بشكل منفصل، أُعدت وزارة الخارجيّة مسودة مختلفة، وصفها هارولد نيكلسون عام 1961 و هو أحد من اشترك في إعدادها، وصفها بأنها اقتراح "ملاذ لضحايا الاضطهاد من اليهود".[125][126] و قد لقيت هذه المسودة مُعارضة قويّة من الصهاينة، و أُهملت في نهاية المطاف؛ كما لم يُعثر على أي نسخة من المسودة في أرشيفات وزارة الخارجيّة.[125][126]
بعد إجراء مناقشات أوسع، أُعدَّت مسودة أخرى تمت مراجعتها و كانت أقصر بكثير من سابقاتها بطول 46 كلمة فقط، أرسلها اللورد روتشيلد إلى بلفور يوم 18 يوليو/تموز.[124] تلقَّت وزارة الخارجيّة هذه المسودة، و عُرضت فيما بعد على مجلس الوزراء للنظر فيها بشكل رسميّ.[127]

سبتمبر إلى أكتوبر: القبول الأمريكي و موافقة حكومة الحرب في بريطانيا

جزء من مناقشات حكومة الحرب، تم النظر بآراء عشرة قادة يهود "ممثلين". ضمّ المؤيدون أربعة أفراد من فريق التفاوض الصهيونيّ (روتشيلد و وايزمان و سوكولوف و صموئيل) و ستيوارت صموئيل (الأخ الأكبر لهربرت صموئيل) و الحاخام الأكبر جوزيف هرتز. فيما ضمّ فريق المعارضين إدوين صاموئيل مونتاجو و فيليب ماجنوس و كلاود مونتيفوري و ليونيل كوهين.
اتُخذ قرار إعلان الوعد من قبل حكومة الحرب البريطانيّة في 31 أكتوبر 1917، و قد جاء هذا القرار بعد مناقشة امتدت لأربعة لقاءات حكوميّة (بما فيها لقاء 31 أكتوبر 1917)، و عُقدت هذه اللقاءات الأربعة على مدى شهرين.[127] و قد قام سكرتير حكومة الحرب البريطانيّة موريس هانكي و بدعم من الأمناء المساعدين[128][129]-في المقام الأول سايكس و زميله عضو البرلمان عن المحافظين و المؤيد للصهيونيّة ليو أمري- قام بعرض وجهات نظر خارجيّة أمام مجلس الوزراء. تضمنت وجهات النظر المعروضة آراء وزراء في الحكومة و حلفاء حرب-و لاسيّما الرئيس الأمريكيّ وودرو ويلسون- و في أكتوبر قدَّم ستة قادة صهاينة و أربعة من اليهود غير الصهاينة عروضاً رسميّة أمام مجلس الوزراء.[127]
طلب مسؤولون بريطانيّون من الرئيس الأمريكيّ ويلسون موافقته على هذه المسألة في مناسبتين-الأولى في 3 سبتمبر/أيلول، و ردّ حينها بأن الوقت لم يحن بعد، و مرَّةَ أُخرى في 6 أكتوبر/تشرين الأول و عندها وافق على إصدار الإعلان.[130]
ما يلي مقتطفات من محاضر اجتماعات مجلس الوزراء الأربعة، و هي تُقدِّم وصفاً للعوامل الأساسيّة التي أخذها الوزراء بعين الاعتبار أثناء هذه الاجتماعات:
  • 3 سبتمبر/أيلول: "بالإشارة إلى اقتراح إرجاء القضيّة، أشار [بلفور] إلى أن وزارة الخارجيّة كانت تحت ضغط شديد فيما يتعلّق بهذا الأم و لمدة طويلة. كان هناك منظمة قويّة و مُتحمِّسَةٌ للغاية، و على الأخص في الولايات المتحدة التي كانت متحمسة للغاية في هذه المسألة، و كان باعتقاده أنه سيكون هناك مساعدات كبير للحلفاء حتى يتحلَّوا بحماسة و جديّة هؤلاء الناس المتطوعين إلى جانبنا. كان عدم القيام بأي شيء مخاطرة بحدوث خرقٍ مع هؤلاء، و كان من الضروريّ أن نواجه هذا الوضع."[131]
  • 4 أكتوبر 1917: "...قال [بلفور] أن الحكومة الألمانية بذلت جهوداً لإظهار التعاطف مع الحركة الصهيونيّة. و على الرغم من معارضة عدد من الأثرياء اليهود في هذه البلاد لهذه الحركة، فقد حصدت دعم أغلبيّة اليهود، في معظم الأحداث في روسيا و أمريكا، و ربما في بلدان أُخرى... قرأ السيد بلفور فيما بعد إعلاناً شديد التعاطف من الحكومة الفرنسيّة نُقل إلى الصهاينة، و قد قال أنه علم أن الرئيس ويلسون موافقاً بشدة لهذه الحركة."[132]
  • 25 أكتوبر 1917: "... ذكر السكرتير أنه كان هناك ضغوط من وزارة الخارجيّة لتقديم مسألة الصهيونيّة، و كان يُنظر إلى التسوية الباكرة بأهميّة كبيرة."[133]
محضر حكومة الحرب في بريطانيا للموافقة على إصدار وعد بلفور في 31 أكتوبر 1917
  • 31 أكتوبر 1917: "قال [بلفور] أنه فهم أن الجميع موافقون الآن، على أنه من وجهة نظر دبلوماسيّة و سياسيّة صرفة، كان من المرغوب أن يكون هناك إعلان مؤيد لتطلُّعات القوميّين اليهود. يبدو أن الغالبيّة العُظمى من يهود روسيا و أمريكا، كما في الواقع في جميع أنحاء العالم، موافقون للحركة الصهيونيّة. فإذا ما قمنا بصياغة إعلان مؤيد لمثل هذا التصوُّر، فيجب أن نكون قادرين على القيام بدعاية [بروباغاندا] مفيدة إلى أقصى حد في كلٍّ من روسيا و أمريكا."[134]

صياغة الوعد

سمح رفع الحظر عن أرشيف الحكومة البريطانيّة للعلماء بتجميع الصيغ المختلفة المقترحة للإعلان. فقد نشر ليونارد ستاين في كتابه الصادر عام 1961 أربع صياغات سابقة للإعلان.[135]
يعود تاريخ التبدُّلات التي طرأت على صياغة الوعد إلى إرشاد حاييم وايزمان لفريق الصياغة الصهيونيّ إلى بعض الأهداف في رسالة مُورَّخَةٍ بتاريخ 20 يونيو/حزيران عام 1917، بعد يوم واحد من لقاء وايزمان بروتشيلد و بلفور. حيث اقترح وايزمان أن ينصّ وعد الحكومة البريطانيّة على: "اقتناعها أو رغبتها أو نيَّتها دعم الأهداف الصهيونيّة لإنشاء وطن قوميّ يهوديّ في فلسطين؛ لا يجب الإشارة إلى القوّة المهيمنة لأن هذا سيخلق صعوبات للبريطانيّين مع الفرنسيِّين؛ يجب أن يكون إعلاناً صهيونيَّاً."[82][136]
و بعد شهر من تسلُّم مسودة 12 يوليو/تموّز من روتشيلد، و هي المسودة ذات الصياغة منخفضة السقف، اقترح بلفور عدداً من التعديلات التقنيّة بشكل رئيسيّ.[135] فيما شملت المسودتان التاليتان تعديلات جوهريّة أكثر بكثير: فقد خفَّضت الأولى و التي ظهرت آواخر أغسطس/آب على يد اللورد ميلنر، أحد الوزراء الخمسة لحكومة لويد جروج الذين لا يحملون حقيبةَ الطموح الصهيونيّ في إقامة "الوطن القومي" على كامل فلسطين إلى "في فلسطين"، أما التعديل الجوهريّ الثاني فقد كان في أوائل أكتوبر/تشرين الأول حيث أضاف مينلر و أمري ما أسموه "بنود حماية".[135]

قائمة بالصيغ/المسودات المعروفة لوعد بلفور، تُظهر التغيرات بين الصيغ/المسودات المختلفة
جادل فيما بعد الكثير من الكُتَّاب في هويّة "المؤلف الأساسيّ" للوعد. و قد أوضح بروفيسور التاريخ الأكاديميّ في جامعة جورج تاون كارول كيوجليّ في كتابه المؤسسة الأنجلز-أمريكيّة الذي صدر عام 1981، رأيه بأن اللورد مينلر كان الكاتب الرئيسيّ للوعد،[xiv] و فيما بعد، افترض بروفيسور التاريخ الحديث في جامعة أبيرستويث في ويلز ويليام روبنشتاين أن أمري هو الكاتب الأصلي.[140] فيما كتبت سحر هنيدي أن دايفيد أورمسبي-جور ادَّعى خلال تقرير أعدَّه لإيفيلن شاكبيرج أن اشترك مع أمري بصياغة شكل المسودة النهائيّة للوعد.[141]

قضايا أساسية

أُرسلت الصيغة التي اِتُفِقَ عليها لللإعلان، و التي تتكون من جملة واحدة مؤلفة من 67 كلمة (بالإنجليزية)،[142] في يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 في رسالة قصيرة من بلفور إلى والتر روتشيلد لنقلها إلى الاتحاد الصهيونيّ لبريطانيا العظمى و إيرلندا.[143] تضمن الإعلان أربع بنود، تضمن أول بندين وعداً بدعم "تأسيس وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين"، و تبعهما "بندان وقائيَّان"[144][145] مع احترام "الحقوق المدنيّة و الدينيّة للمجتمعات غير اليهوديّة الموجودة في فلسطين"، و "الحقوق و الوضع السياسيّ الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".[143]

"وطن قومي للشعب اليهودي" أم دولة يهودية

هذه وثيقة مُصاغة بعناية شديدة و لكن بالنسبة لعبارة 'وطن قوميّ للشعب اليهوديّ' الغامضة إلى حدٍ ما، فيمكن اعتبارها غير ملزمة بما فيه الكفاية... لكن غموض العبارة المُشار إليها كان سبباً للمتاعب منذ البداية. استخدم أشخاص مختلفون في مناصب عليا لغةً من النوع الأكثر تحمُّلاً لمعاني قاصدين إعطاء انطباع مختلفاً جداً لتفسير أكثر اعتدالاً يمكن تحميله للكلمات. تجاهل الرئيس ويلسون جميع الشكوك ما المقصود من وجهة نظره عندما قال في مارس 1919 للقادة اليهود في أمريكا، "أنا أكثر مقتنع بأن دول الحلفاء، و بالموافقة الكاملة من حكومتنا و شعبنا قد اوفقت على أن يتم إقامة أسس الكومنولث اليهوديّ في فلسطين.'[t] كما أعلن الرئيس ثيودور روزفلت أنه ينبغي أن تكون أحد شروط الحلفاء لإقامة السلام 'أن تكون فلسطين دولة يهوديّة'. و قد تحدَّث السيد ونستون تشرتشل عن 'دولة يهوديّة'، كما تحدَّث السيد بونار لو في البرلمان البريطانيّ عن 'إعادة فلسطين لليهود'."[147][u]
—تقرير لجنة بالن، أغسطس/آب 1920[149]
صيغ مُصطلح "وطن قوميّ" غامضاً بشكل متعمَّد،[150] دون وجود أي قيمة قانونيّة أو سابقة تاريخيّة في القانون الدوليّ،[143] بحيث أن معناه غير واضح عند مقارنته بمصطلحات أُخرى كـ"الدولة".[143] فقد استخدم هذا المصطلح بدلاً عن مصطلح "الدولة" عن قصد بسبب وجود أصوات معارضة للبرنامج الصهيونيّ داخل أوساط الحكومة البريطانيّة.[143] و وفقاً للمؤرخ نورمان روز، فإن كبيري مهندسي إعلان بلفور ظنوا أن دولةً يهوديّة ستقوم مع مرور الوقت، بينما خلصت اللجنة الملكيّة الفلسطينيّة إلى أن الصياغة كانت "نتاج حل وسط بين أولئك الوزراء الذين ارتأوا إنشاء دولة يهوديّة و أولئك الذين لم يرتأوا."[151][xv]
يمكن ملاحظة محاولات التأويل من خلال المراسلات التي أدّت إلى إصدار الشكل النهائي للوعد. فقد أرسل سايكس تقريراً رسمياً إلى حكومة الحرب بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول قال فيه أن الصهاينة لا يريدون "إقامة جمهوريّة يهوديّة أو أي شكل آخر لدولة في فلسطين أو في أي جزء من فلسطين" و لكنهم يفضلون بدلاً من ذلك صيغة من صيغ الحماية المُقدَّمة على شكل انتداب على فلسطين.[v] بعد شهر، كتب كورزون مذكّرةً[154] تم تدوالها في 27 سبتمبر/أيلول عام 1917 طرح فيها سؤالين، يكّز الأول على معنى عبارة "وطن قوميّ للعرق اليهوديّ في فلسطين"؛ حيث لاحظ أن هناك آراءاً مختلفة فيما يتعلَّق بالأمر تتراوح بين مركز روحيّ لليهود فقط و حتّى دولة كاملة.[155]
افترضت بعض الصحف البريطانيّة أنه كانت هناك رغبة بإقامة دولة يهوديّة حتى قبل إكمال الصيغة النهائية للإعلان.[xvi] كما بدأت الصحف في الولايات المتحدة باستخدام مصطلحات "الوطن القوميّ اليهوديّ" و "دولة يهوديّة" و "جمهوريّة يهوديّة" و "كومنولث يهوديّ" بشكل متبادل.[157]
يُقدّم الخبير في المعاهدات دايفيد هنتر ميلر، و الذي كان حاضراً في مؤتمر باريس للسلام و قد جمع في وقت لاحق خلاصة 22 مجلد من الوثائق، يُقدّم تقريراً عن قسم المخابرات في الوفد الأمريكيّ إلى مؤتمر باريس للسلام 1919 و هو المؤتمر الذي أوصى بـ"إقامة دولة مستقلة في فلسطين،" و أن هذا "سيكون سياسة عصبة الأمم للاعتراف بفلسطين كدولة يهوديّة، حالما تقوم فيها دولة يهوديّة على أرض الواقع."[158][159] أبعد من ذلك نصح التقرير بإنشاء دولة فلسطينيّة مستقلة تحت انتداب بريطانيّ مشرع من عصبة الأمم. و أن يتم السماح بالاستيطان اليهوديّ و تشجيعه في هذه الدولة و أن تكون الأماكن المقدسة في هذه الدولة تحت سيطرة عصبة الأمم.[159] كما تحدَّثت مجموعة التحقيق الأمريكيّة للدراسة بإيجابيّة عن إمكانية قيام دولة يهوديّة في فلسطين في آخر المطاف إذا ما تواجدت التركيبة السكانية الملائمة لهذا الأمر.[159]
كتب المؤرخ ماثيو جايكوبز فيما بعد أن نهج الولايات المتحدة كان يعوقه "الغياب العام للمعرفة المتخصصة بالمنطقة" و أنه "مثل الكثير من أعمال لجنة التحقيق الأمريكيّة عن الشرق الأوسط، فإن التقارير عن فلسطين خاطئة للغاية" و "تفترض مسبقاً نتيجة الصراع". يقتبس ماثيو عن ميلر ما كتبه عن أحد التقارير عن تاريخ و تأثير الصهيونيّة بأنه "غير صالح على الإطلاق من أي نقطة استشراف و ينبغي النظر إليها على أنها ليست أكثر من تقرير عن المستقبل"[160]
أكَّد اللورد روبرت سيسيل في 2 ديسمبر 1917 لجمهور يخطب فيه أن الحكومة قصدت أن "يهودا لليهود".[158]يرى يائير أورون أن سيسيل و باعتباره وكيل وزارة الدولة للشؤون الخارجية يمثل الحكومة البريطانية في احتفالية تجمع الاتحاد الصهيونيّ الإنجليزيّ "ربما قد ذهب أبعد من الموجز الرسميّ" في قوله (يستشهد بشتاين) "أمنيتنا أن تكون الدول العربيّة للعرب و أرمينيا للأرمن و يهودا لليهود".[161] و في أكتوبر/تشرين الأول التالي، ناقش نيفيل تشامبرلاين أثناء ترؤوسه للقاء صهيونيّ موضوعَ "دولةٍ يهوديّة جديدة".[158] آنذاك كان تشامبرلاين عضواً في البرلمان عن دائرة برمنغهام، ليديوود، إذ أُعيد إحياء الفكرة مرَّةً أُخرى عام بعد موافقة تشامبرلاين على الكتاب الأبيض عام 1939، إذ ذكرت وكالة التلغراف اليهوديّة أن رئيس الوزراء "قد غيَّر رأيه بشكل ملحوظ خلال السنوات الواحدة و العشرين بين هذين الحدثين"[162] و بعد مرور عام و تحديداً في الذكرى الثانية لإعلان بلفور، قال الجنرال جان سمتس أن بريطانيا "ستفي بتعهدها... و أن دولةً يهوديّة عظيمةً ستقوم في نهاية المطاف."[158] و بالمثل، قال تششل بعد عدّة أشهر:
إذا ما كان هذا سيتم، كما قد يحدث، ينبغي أن ننشأ في حياتنا على ضفاف نهر الأردن تحت حماية التاج البريطانيّ دولةً يهوديّةً، قد تضمّ ثلاثة أو أربعة ملايين يهوديّ، هكذا حدث في تاريخ العالم سيكون مفيداً من كل ناحية.[163]
و قد سأل آرثر ميغان خلال لقاء حكوميّ في 22 يونيو/حزيران عام 1921 تشرشل عن معنى الوطن القوميّ. فأجاب تشرشل قائلاً "إذا ما أصبحوا على مدار السنين أكثريَّةً في البلد، فإنهم سيأخذونه بشكل طبيعيّ....بالتناسب مع العرب. لقد تعهّدنا بعدم إخراج العرب من أرضهم أو سلبهم حقوقهم السياسيّة و الاجتماعيّة".[164]
كما كتب بلفور رداً على كرزون في يناير/كانون الثاني 1919 "لم يطرح وايزمان أبداً فكرة المطالبة بحكومة يهوديّة في فلسطين. برأيي، ادعاءٌ كهذا غيرُ مقبول بشكل واضح، و لا أعتقد شخصيَّاً أنه ينبغي علينا أن نذهب أبعد من الإعلان الأصليّ الذي أعلنته للورد روتشيلد".[165]
في فبراير/شياط عام 1919 أصدرت فرنسا بياناً بأنها لا تُعارض وضع فلسطين تحت الوصاية البريطانيّة و تشكيل دولة يهوديّة.[158] و قد لاحظ فريدمان أيضاً تغيُّر موقف فرنسا؛[158] كما سجّل يهودا بلوم، عند مناقشته لموقف فرنسا "غير الودود تجاه الحركة القوميّة اليهوديّة" محتوى تقرير كتبه روبرت فانسيارات (عضو بارز في الوفد البريطانيّ إلى مؤتمر باريس للسلام) إلى كرزون في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1920، إذ قال:
وافق [الفرنسيّون] على وطنٍ قوميّ يهوديّ لا على دولة يهوديّة. فقد اعتبروا أننا نتحرك مباشرةً باتجاه إقامة دولة، و كان آخر ما يمكن أن يفعلوه هو رفع السقف إلى دولة فسياستنا مرفوضة بالنسبة لهم.[166]
كما أخبر وزير خارجيّة اليونان لمحرر جريدة سالونيكا اليهوديّة الموالية لإسرائيل أن "تأسيس دولة يهوديّة يلقى في اليونان تعاطفاً كاملاً و صادقاً... ستصبح فلسطين اليهوديّة حليفاً لليونان."[158] أما في سويسرا، فقد أيَّد عددٌ من المؤرخين بما فيهم الأساتذة توبلر و فوريل-يوفرن و روجاز، فكرةَ إقامة دولة يهوديّة مع إشارتهم إلى "الحق المقدّس لليهود".[158] بينما في ألمانيا، فقد اعتبر المسؤولون و معظم الصحافة الألمانيّة الإعلان بمثابة إقامة دولية لليهود برعاية بريطانيّة.[158]
أوضحت الحكومة البريطانيّة، و لاسيّما تشرشل أن الإعلان لم يقصد تحويل كامل فلسطين إلى وطن قوميّ يهوديّ، "لكن ينبغي أن يكون مثل هذا الوطن في فلسطين."[xvii]
كتب العقيد توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) في رسالة إلى تشرشل في 17 يناير/كانون الثاني إلى تشرشل أن الأمير فيصل أكبر أبناء الشريف حسين "قد وافق على التخلِّي عن كل ادَّعاءات والده بفلسطين" مقابل السيادة العربيّة على العراق و عبر الأردن و سوريا.[168][xviii] يناقش كاتب سيرة فيصل اجتماعاً مثيراً عُقِدَ في 20 يناير/كانون الثاني عام 1921 بين فيصل و حدَّاد و حيدر و ليندسي و يونغ و كورنواليس، و يقول أن هذا اللقاء أدَّى إلى سوء فهم سيُستَغلّ فيما بعد ضد فيصل حيث ادَّعى تشرشل في البرلمان أن فيصل كان يعرف بأن أراضي فلسطين على وجه الخصوص كانت مُستبعَدَةً من وعود دعم مملكة عربيّة مستقلّة. يقول علّاوي أن محضر الاجتماع يظهر فقط أن فيصل قد قبل بتأويل الحكومة البريطانيّة للتبادلات دون الاتفاق بالضرورة معهم.[169] أكَّد تشرشل في البرلمان عام 1922 هذا، "...محادثة عُقِدَت في وزارة الخارجيّة في العشرين من يناير 1921، بعد أكثر من خمس سنوات من إتمام المراسلات التي اعتمدت عليها الادِّعاءات. في هذه المناسبة شُرِحَت وجهة نظر حكومة صاحبة الجلالة إلى الأمير، الذي أعرب عن استعداده لقبول البيان القائل بنيّة حكومة صاحبة الجلالة لاستبعاد فلسطين."[170]}} أبرم الأمير فيصل ملك سوريا و العراق اتفاقاً رسمياً مع القياديّ الصهيونيّ حاييم وايزمان، إذ صاغ مسوّدة هذا الاتفاق العقيد توماس إدوارد لورنس، تضمّن هذا الاتفاق الإشارة إلى محاولة تأسيس علاقة سلام بين العرب و اليهود في فلسطين.[171] وُقِّعَت اتفاقية فيصل-وايزمان في 3 يناير عام 1919، استمرت هذه الاتفاقيّة لمدة قصيرة و تضمنت تعاوناً عربياً يهودياً لتسهيل إنشاء وطن لليهود في فلسطين.[w] و تعامل فيصل مع فلسطين بشكل مختلف فر عرضه في مؤتمر السلام في 6 فبراير/شباط 1919، إذ قال "فلسطين، و بسبب طابعها العالميّ، [ينبغي أن] تُترك على جانب واحد للنظر المتبادل بين جميع الأطراف المعنيّة".[173][174] لم تُنفَّذ هذه الاتفاقية على الإطلاق.[x] و في رسالة لاحقة كتبها لورنس عن توقيع فيصل للاتفاقيّة باللغة الإنجليزيّة، أوضح لورنس:
نشعر أن العرب و اليهود أبناء عمومة عرقياً، و أنهم يعانون من اضطهاد متشابه على أيدي قوى أقوى منهم، و بمصادفة سعيدة تمكنوا من اتخاذ الخطوة الأولى باتجاه تحقيق مُثُلِهِم القوميّة معاً. نحن العرب، لاسيّما المتعلمون بيننا، ننظر بأعمق مشاعر التعاطف مع الحركة الصهيونيّة... سنبذل قُصارى جهدنا، بقدر ما يهمنا، لمساعدتهم من خلالها؛ سنتمنى لليهود أشد الترحيبات القلبيّة.[171]
عندما عُرضَت الرسالة على لجنة شاو عام 1929، تحدَّث رستم حيدر إلى فيصل في بغداد و أبرقَ بأن فيصل "لا يتذكّر أنه كتب أي شيء من هذا القبيل".[177] و في يناير/كانون الثاني عام 1930 كتب حيدر لصحيفة في بغداد أن فيصل: "يجد من الغريب للغاية أن يُنسب الأمر إليه لأنه لن يفكر في أيّ وقت بالسماح لأي دولة أجنبيّة بالمشاركة في بلد عربيّ".[177] كما كتب عوني عبد الهادي سكرتير فيصل في مذكراته أنه لم يكن على علم بأن لقاءاً بين فرانكفورتر و فيصل قد عُقِد و أنه: "أعتقج أن هذه الرسالة، بافتراض أنها حقيقيّة، قد كتبها لورنس، و أن لورنس وقَّعها بالإنجليزيّة نيابةً عن فيصل. أعتقد أن هذه الرسالة جزء من الادعاءات الكاذبة التي اختلقها حاييم وايزمان و لورنس لتضليل الجمهور."[177] و بحسب علاوي، فإن التفسير الأكثر ترجيحاً لرسالة فرانكفورتر هو أنه تمّ عقد اجتماع و قام لورنس بصياغة رسالة باللغة الإنجليزيّة، لكن "محتوياتها لم تكن واضحة تماماً لفيصل. و من ثمّ تم حضّه أو لم يتم على التوقيع عليها"، و ذلك باعتبارها تتعارض مع تصريحات فيصل العامّة و الخاصة آنذاك.[178]و قد نقل ماتين عن فيصل خلال مقابلة في 1 مارس/آذار قوله:
يملي عليّ هذا الإحساس باحترام الأديان الأخرى رأيي عن فلسطين، جارتنا. أن يأتي اليهود غير السدعاء للإقامة هناك و أن يتصرّفوا كمواطنين جيّدين في هذا البلد، ستفرح إنسانيتنا بأنهم وُضعوا تحت حكومة مسلمة أو مسيحيّة مُفوَّضة من عصبة الأمم. إذا أرادوا إقامة دولة و أن يطالبوا بالحقوق السياديّة في هذه المنطقة، فإني أرى مخاطر جديّة للغاية. سيكون هناك تخوّف من حدوث صراع بينهم و بين الأعراق الأخرى.[179]
و بالرجوع إلى الكتاب الأبيض الصادر عام 1922، فقد كتب تشرشل لاحقاً أنه "لا يوجد فيه شيء يحول دون إقامة دولة يهوديّة في النهاية."[180] و في المستوى الخاصّ، فقد اتفق عدّة مسؤولين بريطانيّين مع تفسير الصهاينة بأن الدولة ستقوم عندما تتحقق الأغلبيّة اليهوديّة.[181]
التقى حاييم وايزمان بتشرشل و لويد جورج و بلفور في منزل بلفور في لندن في 21 يوليو/تمّوز عام 1921، و خلال هذا اللقاء قام لويد جورج و بلفور بطمأنة وايزمان "بأنهما كان يعنيان دولةً يهوديّة في نهاية المطاف"، وفقاً لمحضر وايزمان عن اللقاء.[182] قال لويد جورج عام 1937 أنه كان المقصود أن تصبح فلسطين كومنولث يهوديّ إذا و عندما "يصبح اليهود أغلبيّة حاسمة بين السكّان"،[y] و كرَّر ليو أمري الموقف ذاته عام 1946,[z] و في تقرير لجنة اليونسكوب عام 1947، خضعت قضية الوطن مقابل الدولة للتدقيق، و قد وصلت اللجنة إلى نتيجة مماثلة لما خلص إليه لويد جورج.[xi

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق